تم النشر في : 2023-03-08


مولد الرسول r ونشأته

نسبه: هو محمد r بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان([1])، وعدنان من نسل إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-، وأمه آمنة بنت وهب ابن عبدمناف بن زهرة بن كلاب([2]).

وكان مولده يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل([3])، الموافق الثاني والعشرون من شهر ابريل عام 571م([4])، وقال الرسول r: "أنا دعوة أبي إبراهيم([5])، وبشرى عيسى -عليهما السلام-([6])، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام"([7]).

ولقد وقف رجل من يهود في يثرب يتأمل السماء، ثم صرخ في قومه قائلا: يامعشر يهود، طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة([8]).

أما خبر ارتجاس إيوان كسرى وخمود نار المجوس وغاضت بحيرة ساوه([9])  حين مولده r فغير صحيح([10]).

عام الفيل:

سمي عام الفيل بهذا الاسم نسبة إلى الحادثة التي وقعت في تلك السنة، عندما حاول أبرهة الحبشي، أو كما يعرف بأبرهة الأشرم، حاكم اليمن من قبل مملكة أكسوم الحبشية هدم الكعبة، وقد ذكر ابن اسحاق: أنّ أَبْرَهَةَ بَنَى الْقُلّيْس بِصَنْعَاءَ ، فَبَنَى كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءِ مِنْ الْأَرْضِ ثُمّ كَتَبَ إلَى النّجَاشِيّ: إنّي قَدْ بَنَيْتُ لَك أَيّهَا الْمَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكِ كَانَ قَبْلَك، وَلَسْت بِمُنْتَهٍ حَتّى أَصْرِفَ إلَيْهَا حَجّ الْعَرَبِ، فَلَمّا تَحَدّثَتْ الْعَرَبُ بِكِتَابِ أَبْرَهَةَ ذَلِكَ إلَى النّجَاشِيّ غَضِبَ رَجُلٌ مِنْ النّسَأَةِ([11]). أَحَدُ بَنِي فُقَيْمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاس َ مِنْ مُضَرَ.

فَخَرَجَ الْكِنَانِيّ حَتّى أَتَى الْقُلّيْس فَقَعَدَ فِيهَا -قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَعْنِي أَحْدَثَ فِيهَا- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ فَقَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الّذِي تَحُجّ الْعَرَبُ إلَيْهِ بِمَكّةَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَك، "أَصْرِفُ إلَيْهَا حَجّ الْعَرَبِ"، غَضِبَ فَجَاءَ فَقَعَدَ فِيهَا، أَيْ أَنّهَا لَيْسَتْ لِذَلِكَ بِأَهْلِ. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ لَيَسِيرَن إلَى الْبَيْتِ حَتّى يَهْدِمَهُ ثُمّ أَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَهَيّأَتْ وَتَجَهّزَتْ ثُمّ سَارَ وَخَرَجَ مَعَهُ ْفِيلٌ وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ الْعَرَبُ، فَأَعْظَمُوهُ وَفَظِعُوا بِهِ وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقّا عَلَيْهِمْ حِينَ سَمِعُوا بِأَنّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الْكَعْبَةِ، بَيْتِ اللّهِ الْحَرَامِ.

وقد تعرضت له عدد من القبائل أثناء مسيره، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذونفر فدعا قومه ومن أجابه من العرب المجاورين له بمحاربة أبرهة، ولكنه هزم هو وأصحابه وأُخذ ذونفر أسيرا.

وسار أبرهة إلى مكة فلما وصلها، نَزَلَ الْمُغَمّسَ([12]). وبَعَثَ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ مَقْصُودٍ عَلَى خَيْلٍ لَهُ حَتّى انْتَهَى إلَى مَكّةَ، فَسَاقَ إلَيْهِ أَمْوَالَ أَهْلِ تِهَامَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَصَابَ فِيهَا مِئَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا فَهَمّتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَهُذَيْلٌ. وَمَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْحَرَمِ مِنْ سَائِرِ النّاسِ بِقِتَالِهِ. ثُمّ عَرَفُوا أَنّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ فَتَرَكُوا ذَلِكَ.

وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ حُنَاطَة الْحِمْيَرِيّ إلَى مَكّةَ، وَقَالَ لَهُ سَلْ عَنْ سَيّدِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وَشَرِيفِهَا ثُمّ قُلْ لَهُ: إنّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَك، إنّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ إنّمَا جِئْت لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنْ لَمْ تَعْرِضُوا دُونَهُ بِحَرْبِ فَلَا حَاجَةَ لِي بِدِمَائِكُمْ فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ. فَلَمّا دَخَلَ حُنَاطَة مَكّةَ سَأَلَ عَنْ سَيّدِ قُرَيْشٍ وَشَرِيفِهَا فَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمِ، فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبْرَهَةُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: وَاَللّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ هَذَا بَيْتُ اللّهِ الْحَرَامُ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ u فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ. وَإِنْ يُخَلّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَوَاَللّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ. فَقَالَ لَهُ حُنَاطَة: فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ فَإِنّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِك.

فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، وَمَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ حَتّى أَتَى الْعَسْكَرَ فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفْرٍ –وكان ممن أسرهم أبرهة عندما تعرض له أثناء مسيره- وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا نَفْرٍ هَلْ عِنْدَك مِنْ غَنَاءٍ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ لَهُ ذُو نَفْرٍ: وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ غُدُوّا أَوْ عَشِيّا مَا عِنْدَنَا غَنَاءٌ فِي شَيْءٍ مِمّا نَزَلَ بِك إلّا أَنّ أُنَيْسًا سَائِسَ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي، وَسَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِك، وَأُعْظِمُ عَلَيْهِ حَقّك، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَك عَلَى الْمَلِكِ فَتُكَلّمُهُ بِمَا بَدَا لَك. وَيَشْفَعُ لَك عِنْدَهُ بِخَيْرِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفْرٍ إلَى أُنَيْسٍ فَقَالَ لَهُ: إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ سَيّدُ قُرَيْشٍ، وَصَاحِبُ عِيرِ مَكّةَ، يُطْعِمُ النّاسَ بِالسّهْلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَقَدْ أَصَابَ لَهُ الْمَلِكُ مِئَتَيْ بَعِيرٍ فَاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ. وَانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْت؛ فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَكَلّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ فَقَالَ لَهُ: أَيّهَا الْمَلِكُ هَذَا سَيّدُ قُرَيْشٍ بِبَابِك يَسْتَأْذِنُ عَلَيْك، وَهُوَ صَاحِبُ عِيرِ مَكّةَ، وَهُوَ يُطْعِمُ النّاسَ فِي السّهْلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فَأْذَنْ لَهُ عَلَيْك، فَيُكَلّمْك فِي حَاجَتِهِ وَأَحْسِنْ إلَيْهِ. فَأَذِنَ لَهُ أَبْرَهَةُ.

وَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ أَوْسَمَ النّاسِ وَأَجْمَلَهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ فَلَمّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلّهُ وَأَعْظَمَهُ وَأَكْرَمَهُ عَنْ أَنْ يُجْلِسَهُ تَحْتَهُ وَكَرِهَ أَنْ تَرَاهُ الْحَبَشَةُ يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ فَنَزَلَ أَبْرَهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إلَى جَنْبِهِ، ثُمّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ ما حَاجَتُك؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ التّرْجُمَانُ فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدّ عَلَيّ الْمَلِكُ مِئَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي، فَلَمّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ أَبْرَهَةُ لِتَرْجُمَانِهِ: كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُك، ثُمّ قَدْ زَهِدْت فِيك حِين كَلّمْتنِي، أَتُكَلّمُنِي فِي مِئَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتُهَا لَك، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُك وَدِينُ آبَائِك قَدْ جِئْتُ أَهْدِمُهُ لَا تُكَلّمْنِي فِيهِ! فقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: إنّي أَنَا رَبّ الْإِبِلِ وَإِنّ لِلْبَيْتِ رَبّا سَيَمْنَعُهُ. قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنّي، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. فَرَدّ أَبْرَهَةُ عَلَى عَبْدِ الْمُطّلِبِ الْإِبِلَ الّتِي أَصَابَ لَهُ.

فَلَمّا انْصَرَفُوا عَنْهُ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى قُرَيْشٍ، أَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ، وَالتّحَرّزِ فِي شَعَفِ([13]) الْجِبَالِ وَالشّعَابِ تَخَوّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرّةِ الْجَيْشِ([14]) ثُمّ قَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللّهَ ويستنصرونه عَلَى أَبْرَهَةَ وَجُنْدِهِ.

فَلَمّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيّأَ لِدُخُولِ مَكّةَ، وَهَيّأَ فِيلَهُ وَعَبّى جَيْشَهُ وَكَانَ اسْمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا، وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْبَيْتِ ثُمّ الِانْصِرَافِ إلَى الْيَمَنِ، فَلَمّا وَجّهُوا الْفِيلَ إلَى مَكّةَ، بَرَكَ الْفِيلُ وَضَرَبُوا الْفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَضَرَبُوا  فِي رَأْسِهِ بالطّبَرْزين([15]) لِيَقُومَ فَأَبَى فَأَدْخَلُوا مَحَاجِنَ([16]) لَهُمْ فِي مَرَاقّهِ([17]) فَبَزَغُوهُ([18]) بِهَا لِيَقُومَ فَأَبَى، فَوَجّهُوهُ رَاجِعًا إلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجّهُوهُ إلَى الشّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجّهُوهُ إلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجّهُوهُ إلَى مَكّةَ فَبَرَكَ، فَأَرْسَلَ الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف([19]) والبلسان([20])، كل طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ أَمْثَالُ الْحِمّصِ وَالْعَدَسِ، لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إلّا هَلَكَ وَلَيْسَ كُلّهُمْ أَصَابَتْ، وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطّرِيقَ الّذِي مِنْهُ جَاءُوا.

فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك على غير كل منهل([21])، وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ وَخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ تَسْقُطُ أَنَامِلُهُ ([22]) أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً كُلّمَا سَقَطَتْ أُنْمُلَةٌ أَتْبَعَتْهَا مِنْهُ مِدّةٌ تَمُثّ([23]) قَيْحًا وَدَمًاء، حَتّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطّائِرِ فَمَا مَاتَ حَتّى انْصَدَعَ([24]) صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ.

وكانت حادثة الفيل توطئة وإرهاصا لظهوره r([25]).

ولد رسول الله r يتيما، وأرضعته أمه، وأرضعته ثويبة مولاة أبي لهب الذي أعتقها([26])، وكانت أم أيمن بركة بنت ثعلبة حاضنته([27])، ثم جاء نساء البادية المرضعات يلتمسن الرزق في إرضاع أطفال قريش، فكان محمد r من نصيب حليمة السعدية فحملته إلى ديار أهلها (بني سعد بن بكر)([28]).

روى ابن إسحاق بإسناده عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدثت عن حليمة بنت الحارث أم رسول الله r التي أرضعته، أنها قالت: «قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر ألتمس بها الرضعاء، وفي سنة شهباء([29])، فقدمت على أتان  لي قمراء([30]) كانت أذمت([31]) بالركب، ومعي صبي لنا، وشارف([32]) لنا، والله ما تبض([33]) بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، ما يجد في ثديي مايغنيه، ولا في شارفنا ما يغذيه، فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله r، فتأباه، إذا قيل: إنه يتيم تركناه، قلنا: ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبي الوليد، وأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا؟ فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا، غيري. فلما لم أجد رضيعا غيره قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال: لا عليك. فذهبت فأخذته، فوالله ما أخذته إلا أني لم أجد غيره، فما هو إلا أن أخذته فجئت به إلى رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، وقام صاحبي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل([34])، فحلب ما شرب، وشربت حتى روينا. فبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: ياحليمة، والله إني لأراك قد أخذت نسمة([35]) مباركة، ألم تري ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟ فلم يزل الله U يزيدنا خيرا حتى خرجنا راجعين إلى بلادنا، فوالله لقطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى إن صواحباتي يقلن: ويلك يا ابنة أبي ذؤيب، أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول: نعم، والله إنها لهي. فيقلن: والله إن لها لشأنا. حتى قدمنا أرض بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله تعالى أجدب منها، فإن كانت غنمي لتسرح، ثم تروح شباعا لبنا، فنحلب ما شئنا، وما حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن، وإن أغنامهم لتروح جياعا، حتى إنهم ليقولون لرعيانهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم ابنة أبي ذؤيب، فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح، فيريحون أغنامهم جياعا مافيها قطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبنا نحلب ماشئنا. فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرفها حتى بلغ سنتيه، فكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فوالله مابلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا([36])، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة. فلما رأته أمه، قلنا لها: يا ظئر([37])، دعينا نرجع ببنينا هذه السنة الأخرى، فإنا نخشى عليه وباء مكة، فوالله مازلنا بها حتى قالت: فنعم، فسرحته معنا، فأقمنا به شهرين أو ثلاثة، فبينا هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم([38]) لنا، جاءنا أخوه ذلك يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي، قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاه، فشقا بطنه. فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائما ممتقع الوجه([39])، فاعتنقه أبوه، فقال: أي بني ما شأنك؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاني، فشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئا، فطرحاه، ثم رداه كما كان. فرجعنا به معنا، فقال أبوه: ياحليمة، لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب، فانطلقي بنا فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر فيه ما نتخوف. قالت حليمة: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما ردكما به؟ فقد كنتما عليه حريصين. فقلنا لها: لا والله يا ظئر، إلا أن الله تعالى قد أدى عنا، وقضينا الذي علينا، فقلنا: نخشى الإتلاف والأحداث، نرده على أهله، قالت: ماذاك بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره. قالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله، ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذا شأن، ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى، قالت: حملت به، فما حملت حملا قط أخف منه، فأريت في المنام حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعا مايقعه المولود، معتمدا على يديه، رافعا رأسه إلى السماء؛ فدعاه عنكما»([40]).

وقد أشارت بعض المصادر أن عمره عندما أعيد إلى أمه كان أربع سنين([41]).

وعاش الرسول r مع أمه حتى بلغ ست سنين، وقدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار بيثرب (المدينة)، وأثناء عودتهم منها توفيت أمه آمنة في الطريق بالأبواء([42]).

بعد وفاة أمه آمنة، كفله جده عبدالمطلب، فكان محمد r يرافقه أينما ذهب، وكان عبدالمطلب يرسله ليقضي له حاجاته من ثقته به رغم أنه لم يتجاوز الثامنة من عمره، ولشدة حب عبدالمطلب لحفيده كان يقلق عليه إذا تأخر عنه، وقد حدث أن أرسله في يوم لطلب إبل له ذهبت، فتأخر عنه، فصار يطوف بالبيت ويدعو الله أن يرده له، فلما جاء محمد r ومعه الإبل، قال له عبدالمطلب: يابني، لقد حزنت عليك كالمرأة حزنا لايفارقني أبدا، وامتنع عن مفارقته بعدها([43]).

ولما بلغ محمد r الثامنة من عمره توفي جده عبدالمطلب، ففقد آخر آبائه ولا شك أنه أحس بفقدانه لما كان يحبوه من العطف والرعاية([44]).

 



[1] صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب مبعث النبي r، فتح الباري: 7/162

[2] صحيح البخاري: كتاب المناقب، باب مناقب قريش، فتح الباري: 6/533، ابن حزم، جمهرة أنساب العرب: 17.

[3] المستدرك على الصحيحين، الحاكم: 2/603

[4] الإسلام نبي الرحمة: 45

[5]  كما ورد في قوله تعالى: )رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(   البقرة (129)

[6] كما ورد في قوله تعالى: )َإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ(   الصف (6)  

[7] السلسلة الصحيحة، الألباني: ح1545

[8] دلائل النبوة، البيهقي: 1/110، المستدرك على الصحيحين، الحاكم: 3/486، السيرة النبوية، محمد الصوياني: 1/26

[9] بحيرة ساوة: هي بحيرة مغلقة مالحة تقع في محافظة المثنى العراقية، قرب نهر الفرات، وتبعد 23 كيلا غرب مدينة السماوة، ومياه البحيرة تأتي من المياه الجوفية تحت البحيرة والتي ترشح إليها من نهر الفرات عبر الصدوع والشقوق، ولا تصب فيها أية أنهار.

[10] ارتجس: اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت، غاض: غار وذهب، والخبر ورد في تاريخ الطبري: 1/166، دلائل النبوة للبيهقي: 1/113، وقال محققه منكر، وعيون الأثر لابن سيد الناس: 1/83-85 وقال محققه: مرسل غير صحيح، وتاريخ الإسلام للذهبي: 35-38 وقال منكر غريب.

[11] النسأة: قوم من كنانة كان لهم تأخير الشهر الحرام في الجاهلية. (ابن منظور، لسان العرب: 1/167)

[12] المغمس: شرقي مكة على مسافة 20 كيلا، يشرف عليه من الشرق جبل كبكب، والطريق من مكة إلى الطائف المارة بنخلة اليمانية تمر به من الشمال، وعرفة في نهايته من الجنوب. (محمد شراب، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة: 277)

[13] شغف الجبال: رؤوسها.

[14] مَعَرّةِ الْجَيْشِ: أَن ينزلوا بقوم فيأْكلوا من زرْعِهم وأَموالِهم بما لم يؤذنْ لهم فيه

[15] الطبرزين: آلة معلقة بالحديد

[16] المِحْجَن: عَقّافة، كلّ شيء مُعْوجّ الرَّأس كالصَّولجان

[17] مراقُّ البطن: ما رقَّ منه ولان أسافله ونحوها.

[18] بَزَّغ: وَخَزَها وَخْزا خفيفا

[19] الخُطَّافُ: كل حديدة مُعْوَجّة

[20] البَلَسَانُ: شجر له زهر أبيضَ صَغير كهيئة العناقيد

[21] المَنْهَلُ: اسم مكان من نهِلَ: مورد؛ مكان الشُّرب.

[22] الأُنْمُلَةُ: عقلة الإصبع أَو سُلامَاها.

[23] مَثَّ: سَالَ مَا فِيهِ

[24] اِنْصَدَعَ: اِنْكَشَفَ

[25] ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد: 1/76

[26] صحيح البخاري: كتاب النكاح، باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، فتح الباري: 9/140

[27] ابن حجر، لإصابة في تمييز الصحابة: 8/358

[28] صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي: 50

[29] سنَةٌ شهباءُ: ذات قَحْطٍ وجَدْبٍ

[30] الأتان: أنثى الحمار، قمراء: شديدة البياض.

[31] أذمت: أنقطع سيرها.

[32] الشارف: الناقة المسنة.

[33] تبض: تسيل

[34] حافل: كثيرة اللبن.

[35] النسمة: الإنسان النفس.

[36] الجفر: الغليظ.

[37] الظئر: الأم

[38] البهم: ولد الضأن.

[39] مُمْتقِعُ الوَجْهِ: مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ مِنْ حُزْنٍ أو فَزَعٍ.

[40] مسند أبي يعلى الموصلي: 13/93-97، البيهقي، دلائل النبوة: 1/116-119، ابن هشام، السيرة النبوية: 1/122-124.

[41] ابن سعد، الطبقات الكبرى: 1/112، أبونعيم: دلائل النبوة: 1/202، وانظر: العمري: السيرة النبوية الصحيحة: 1/103، مهدي رزق الله، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية: 1/125.

[42] ابن هشام، السيرة النبوية: 1/126، والأبواء: وادي من أودية الحجاز ويبعد عن مستورة شرقا 28 كيلا، وعن رابغ 43 كيلا.

[43] المعجم الكبير، الطبراني: 6/64 ح5524، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/224): رواه أبويعلى والطبراني وإسناده حسن، دلائل النبوة، البيهقي: 2/20-21، المستدرك على الصحيحين، الحاكم: 2/603-604، وقال: صحيح على شرط مسام، ووافقه الذهبي.

[44] السيرة النبوية الصحيحة، أكرم العمري: 1/106